حول عيد رأس السنة الإيزيدية

عيد رأس السنة ( سَر سال ) الإيزيدية / بقلم : سمير خالد شرو

للإيزيدية أعياد دينية ذات طابع خاص ، بعضها يشترك فيها الإيزيديون كافة ، و بعضها يقتصر على علماء دينهم حسب ، و في طليعة هذه الأعياد ، عيد رأس السنة ، حيثُ يسمونهُ بلغتهم الكردية (( سَر سالْ )) و هي مركبة من الكلمة الكردية ( سَر ) بمعنى رأس و ( سَالْ ) أي سنة ، و تبدأ في أول شهر نيسان الشرقي (( 14 )) نيسان الغربي .. فإذا كان اليوم الأول من شهر نيسان الشرقي ( اليولياني ) صادف يوم الخميس ، فإن العيد عندهم سيبدأ الأربعاء الموافق ( 20 ) نيسان الغربي ...
بمعنى إنه سيتم تأجيل الإحتفال بالعيد إلى الأربعاء الأخر ( أي يجب أن يصادف العيد الأربعاء الأول من نيسان الشرقي ) ، و هنا لابد أن نشير إلى إن الإيزيدية كديانة لا تعرف رقماً معيناً لسنتهم أو بالأحرى لتاريخهم كما لدى الكثيرين .. لان رأس السنة لديهم يرتبط بتاريخ التكوين أو الخليقة أي ولادة الأرض و الطبيعة .. و يقال أيضاً إن كلمة نيسان ( أي شهر نيسان ) نفسها مشتقة من الكلمة الكردية ( نو ـ زان ) و التي تعني الولادة الجديدة .
و يسمى هذا العيد أيضاً بعيد تاووس ملك و عيد ملك الزان ( إله الولادة أو التجدد ) و الأربعاء الأحمر ( جَر شامبوا سور ) ، يلبس الصبيان و الشابات أفخر الثياب في صبيحة عيد رأس السنة ، و يتحلون بأنواع الحلي و يبكرون إلى الحقول و الجبال ، فيقطفون النوَر الأحمر ( شقائق النعمان ) و يركزونهُ بالطين على أبواب بيوتهم و بعضهم يركزونهُ بقشور البيض الملونة أيضاً .. حيثُ يسلق البيض فيه و يلون ، و تخرج الناس في الصباح الباكر محاولين جمع قطرات الندى المتساقط على الحشائش و يمسحون بها وجوههم علها تعيد شبابهم و نظارتهم .. و قد يذهب الفلاح لنثر قشور البيض المكسور على مزروعاته للتبرك ، ثم تبدأ الزيارات تبريكاً بقدوم العيد ، و تقديم البيض الملون و الحلوى كهدية , و في هذا العيد يتم إعداد الأكل و تقديم الأضاحي و القرابين و يعمل خبزاً خاصاً مغطى بالدهن يُسمى ( سَوكْ ) يؤخذ قسماً منه إلى قبور الموتى لتؤكل هناك و توزع الباقي على الفقراء و المساكين .
من خلال ما مر نستطيع القول إن عيد رأس السنة الإيزيدية يرتكز على ثلاثة محاور أساسية و طقوس أخرى و هي ثانوية أو أقل أهمية ... و في بحثنا هذا سوف نركز على جوانب من هذه المحاور الثلاثة و التي هي :
أولاً إن العيد هو عيد ( تاووس ملك ) نور الله و رئيس الملائكة في الفكر الديني الإيزيدي .. و المحور الثاني هو يوم ( الأربعاء ) الذي يعتبرهُ الإيزيدية يوماً مقدساً و مباركاً يجب أن يصادف العيد فيه .. و المحور الثالث هو شهر ( نيسان ) الشهر المبارك شهر الخصب و النمو الذي يعتبر هو الأخر شهراً مباركاً و مقدساً إلى درجة . المحور الأول تاووس ملك طاووس ملك أو تاووس ملك لا فرق ، هذه الشخصية المقدسة الذي يقترن العيد باسمه ، قيل الكثير عنهُ ، منها أنهُ إله قديم كان يطلق عليه اسم ( نابو ) و هو ابن للإله العظيم ( مردوخ ) لدى البابليين و الارتباط بينهما هو إن يوم الأربعاء كان يمثل الإله نابو في الديانة البابلية و إن هذا اليوم نفسهُ يعتبر يوم طاووس ملك أيضاً لدى الإيزيدية .
و هناك من يتفق مع الرأي أعلاه من حيثُ اعتباره إلهاً قديماً إلا أنهُ يختلف معهُ في التسمية و يقول إن كلمة تاووس ملك قديمة جداً ، و إن كلمة ( ملك ) المضاف إليها ما هي إلا لإضافة هالة قدسية أكبر على تسمية تاووس ، و هي حديثة نسبيا ً.. و هي مشتقة من كلمة ( ديو ) التي هي التسمية القديمة للآلهة الهندو _ أوربيين القدماء قبل هجرتهم من موطنهم الأصلي ، و إن معنى الكلمة هي النور و منها جاءت تسمية يوم الثلاثاء بـ ( Tues day ) و حيثُ إنهُ كان بصيغة ( Tiwes day ) في الإنكليزية القديمة أي ( يوم التاووس ) بمعنى يوم النور و الرابط هنا هو إن الإيزيدية تُقر بأن الله قد خلق تاووس ملك من نوره ، و أيضاً إنهم يعتبرون إن مساء الثلاثاء و حتى عصر الأربعاء يوماً لتاووس ملك .
و هناك آخرون تعمقوا في الموضوع مثلهم بل و أكثر و رجحوا إن تاووس ملك ما هو إلا امتداد للأسطورة ( دوموزي ) السومرية الذي هو نموذج أصلي لكافة آلهة النبت الذين يموتون و يبعثون في الربيع .. و يستند هذا الرأي على إن لفظة طاووس / تاووز / طاووز مشتقة و محرفة من تموز ، و تموز هو إسم الإله البابلي المقابل لمرادفه السومري دوموزي .
إضافة للآراء المارة الذكر يوجد رأيٌ أخر بعيد كل البعد عن الحقيقة و هو إن تاووس ملك ما هو إلا ذاك الملاك الذي عصا أمر ربه بالسجود لأدم .. أي انهُ ( إبليس ) بعينه .. و إن الإيزيدية يقدسونهُ خوفا من بطشه .. و يضيف أخر مدعياً ليقول : إن الإيزيدية يعتقدون إن هذا الملاك لم يتمرد على ربه لكنه التزاماً منهُ بوعد سابق للرب بأن لا يسجد لغيره ، لم يسجد لأدم .. و قد ذهب الكثير من المتصوفة المسلمين هذا المذهب .. و هناك الكثير منهم قد رفضوا لعن هذا الملاك و اعتبروه سيد الموحدين و منهم ( حسين الحلاج ) و فسروا بأن رفضه السجود لأدم ما هو إلا تمسكه بوحدانية الله الخالق .. و سندهم في هذا الرأي هو إن الإيزيدية بعد أن انشقت من الإسلام بدأت تدخل فيها أفكار خاطئة بتأثير من رجال دينهم و آخرون من المتصوفة المسلمين .
و لكي نفصل بين الآراء التي قدمناها يتوجب علينا الاستعانة بالنصوص الدينية الإيزيدية نفسها و هي واضحة تمامـاً بهذا الخصـوص إلا إنها تعطينا معاني عدة ، منها إنهُ رئيـس الملائكة كما جاء في قول ( بادشاي ) الملك الفقرة (6) المترجمة من الكردية : (( خلق إلهي الكون من جوهر الدرة .. و أودعهُ للأسرار السبعة الدائمين ( الملائكة السبعة ) .. و جعل تاووس ملك رئيساً للملائكة )) و في موضع أخر نرى إنهُ يُعتبر الخالق نفسهُ مع احتفاظه بلقب رئيس الملائكة ، و أخصُ بالذكر النص الديني ( المترجم ) الأتي : (( تاووس ملك هو رئيس الملائكة .. خلقني و خلق (72) ملةً .. مع خلق (80) ألف خليقة كائن .. قبل خلق الأرض و السماء .. كان يوجد الله نور الأنوار .. من قدرته أظهر الكون .. الأرض و العرش و الإيمان .. و أطلق على نفسه اسم تاووس الملائكة )) .
و هناك نص ديني أخر يكاد يتفق مع النص أعلاه إلا إنهُ يُضيف إليه الشيخ أدي أيضاً معهما باعتباره من المتصوفة المؤمنين الذي إتحد مع الحق ( الله ) و تحديداً في قول ( شيخ أدي شيخ شارا ) أي الشـيخ العام ، الفقرة ( 4) و الفقرة (5) منهُ جاء : (( إن الشيخ أدي و تاووس الملائكة و الله هم واحد ( أي إنهُم جزءٌ من الله ) لا تجعلوهُم مختلفين .. إنهم يحققون الأماني و الدعوات .. إلهي لهُ ألف اسم و اسم .. رءاهُ المغفلون و لم يتعرفوا عليه )) . و بهذا يكون تاووس ملك و معهُ الشيخ أدي أيضاً جزءٌ من الله لا فرق بينهُم .
و من خلال الآراء التي قدمناها حول شخصية تاووس ملك فضلاً عن النصوص الدينية الإيزيدية التي تناولت الموضوع نستطيع الخروج بنتيجة ألا و هي : إن تاووس ملك يُمثل عند الإيزيدية اسم من أسماء الله الحسنى القديمة و هو نفسهُ رئيس الملائكة .. و لا نعتقد إن لهُ أي علاقة مع ما يُسمى لدى الآخرين من غير الإيزيدية بإله الشر من ( إبليس ) و غيره من المسميات .. و ما انزعاج بعض الإيزيدية من تسميات متعلقة بالشر إلا من مخلفات الماضي الذي ليس ببعيد ، حيثُ كانت سبباً لجر حملات الإبادة عليهم من قبل جيرانهم كونهم كانوا على دينٍ يخالف ديانتهم ، و لكي يبرروا أفعالهم كانوا يختلقون ما شاءوا من أباطيل و أكاذيب و ينسجون حولهم الأساطير للحصول على موافقة رجال الدين بشن الغارات عليهم .. و كانوا ( الإيزيديون ) و لفترات قريبة إذا ما شوهدوا في المدن يُنعتون بعبادة الشر و مسميات كثيرة لا تُعد و لا تحصى ، و لهذا كانوا قليلي الاختلاط بالغرباء يمارسون طقوسهم بالخفاء .
المحور الثاني يوم الأربعاء المقدس لأيام الأسبوع دورها في حياة الإنسان ، نرى إن اليهود كانوا و لا زالوا يتخذون من السبت يوم استراحة ( عطلةً ) و المسيحية يوم الأحد و الإسلام يوم الجمعة .. أما الإيزيدية و الذي هو موضوعنا فيتخذون من يوم الأربعاء يوم استراحة بل و يعتبر يوماً مقدساً ، أما لماذا بالذات هذا اليوم دون غيره ؟
فهذا ما سنخوضُ في تفاصيله . تأتي قدسية الأربعاء لدى الإيزيدية لأنهم كانوا و لا زالوا يمارسون فيه أغلب الطقوس و المراسيم الدينية ، و ذلك باعتباره اليوم الأخير من عمل الرب في خلق الكون من أرضٍ و سماوات و كما هو واضح في النص الديني الإيزيدي ( المترجم ) من قول ( الخليقة ) الفقرة (31) إذ جاء فيها : (( ربي خلق أساس الكون يوم الجمعة .. و خلق ما فيها يوم السبت .. و أنهى الخلق يوم الأربعاء )) . أضف إلى ذلك إن الإيزيدية تعتقد إن الملك تاووس نزل لأول مرة إلى الأرض و في جبل لالش أو معبد لالش يوم الأربعاء .. و بنزول الملك تاووس بدأ ظهور القشرة الحقيقية للأرض مثلما أراد الله تعالى فأخذت ورود النيسان بالنمو و بدأ الربيع . و للتوضيح أكثر هُناك من الإيزيدية من يرمز سلق البيض و تلوينه بهذا العيد إلى إنها إشارة للحالة التي كانت عليها الأرض من سيولة ، فعندما يتم سلق البيض تتخثر و تتجمد، مثلما بدأت الأرض أيضاً بالجمود و الاستقرار .. و تلوينها تُشير إلى ظهور الربيع بألوانها الزاهية . و ليس من المستبعد أن تكون ولادة و وفاة ملك فخر الدين في يوم الأربعاء أيضاً قد زاد من أهمية هذا اليوم ، و كما هو مبين في النص الديني من قول ( فروارا ملك فخرالدين ) الفقـرة (5) و الفقرة (30) حيثُ جاء فيها : (( قلبي حزينٌ جداً .. اسأل الناس إن ملك فخر الدين .. ولد يوم الأربعاء .. و توفي يوم الأربعاء .. أيُها الأب انهض .. إن الأربعاء ليس مثل باقي الأيام .. بقي شيخ مند دون أب )) . و لأهمية هذا اليوم يقوم الإيزيدية بإيقاد السرج (القناديل)في مساء كل ثلاثاء على أربعاء و على مدار السنة عند المراقد المقدسة و بالقرب من كل ما هو مقدس من رموز و مزارات و خاصةً في معبد لالش الذي إذا ما زارهُ غريب في مساء الثلاثاء سيندهش لهذا المنظر حيثُ عدد كبير من القناديل تضيء كل زاوية من زوايا المعبد .. و إن إيقاد مثل هذهِ القناديل هو فرضٌ و واجب على كل من يتولى خدمة المعبد أو المزار أو أي رمز ديني أخر . و في هذا اليوم المقدس من الواجب على الإيزيدي عدم ممارسة أي عملٍ شاق .. كونهُ يوم استراحة ، و في حالة إذا ما كانت إحدى البيوت ( العوائل ) قد فقدت شخصاً أي توفي يتم زيارة قبره من قبل النساء مساء كُل ثلاثاء على أربعاء لحين انتهاء أربعينية الميت (المتوفى) .
المحور الثالث شهر نيسان شهر نيسان ( أبريل ) الشهر المتميز الذي فيهِ تتأكد حقيقة الموسم الزراعي لدى الفلاحين و تتضح معالم صورته النهائية ، فأما أن يكون جيداً و أما أن يكون رديئاً ، ثُم إنهُ الشهر الذي يؤتي بعض الخضر أكلها كالباقلاء و الجناز و اللعية و الكعوب ، فيعم الرخاء الريف الفقير و تسعد النفوس ، و تشبع بطون الأطفال بالإضافة إلى ظهور العديد من أنواع الورود و الزهور ناهيك عن الحشائش قوت الماشية ، فهو شهر الخيراتِ بألبانها و بيضها حيثُ تحفل الأضراع بالحليب و يستكفي الأعشاش ببيض الطيور ، إنهُ شهر نيسان المعطاء المتدفق بالخيرات شهر الرخاء النعيم . مع كل هذا نرى إنهُ ليس من المستغرب أو الصدفة أن يقع عيد رأس السنة الإيزيدية في هذا الشهر ( نيسان ) المعطاء ، شهر التجدد و الخصب و كما هو واضح في النص الديني الإيزيدي المترجم من قولى ( مه ها ) أي الأشهر الفقرة (37) و الفقرة (38) : (( أتى شهر نيسان حاملاً معهُ الصخب و الضجيج .. لو أفتح باب الخزائن سأترك الإحدى عشر شهراً ورائي .. هكذا يتحدث شهر نيسان .. لو أزين ربيعي بالأخضر و الأحمر و الأبيض و الأصفر .. أتحدى جميع الأشهر أن تتجرأ في الحديث معي )) . كما جاء في نص ديني أخر : (( إنهُ في يوم الأربعاء من بداية شهر النيسان .. ينزل ( مَلكىْ زانْ – تاووس ملك- إله الخصب ) إلى الأرض . و ينادي لها بالحيوية و التجدد )) . و لا يجوز للايزيدية الزواج في هذا الشهر معتبرين إن هذا الشهر مخصص لزواج الآلهة ، و كان تحريم الزواج في هذا الشهر قائماً لدى البابليين أيضاً ، بل حتى إن حفر الأرض أيضاً يعتبر خطيئةً في هذا الشهر ، على اعتبار إن الأرض حُبلى في هذا الوقت من السنة .
بعيداً عن المحاور الثلاثة التي تناولناها بقي لنا أن نشير في موضوعنا ( عيد رأس السنة ) إلى إنهُ تقام بهذه المُناسبة في معبد لالش طقس أو بالأحرى الرقصة الدينية ( السما ) حيثُ يقومُ بأدائها مجموعة من رجال الدين .. و طقس السما يكون بدوران رجال الدين ( حصراً ) حول شعلة النار المقدسة ( جه قلتو ) على أنغام الضرب على (الدفوف- و الشبايب) و يستمر الكل بالدوران حول الشعلة المقدسة ثلاث دورات كان في الأصل سبع دورات بكل خشوع و بخطوات بطيئة جداً مع رفع اليد اليُمنى على الصدر و تنزيلها في كل خطوة متناسقاً مع المسير ، و يكون الدوران عكس عقرب الساعة .. و هنالك سبع أنواع من السما تختلف كلمات كل نوعٍ عن الأخر أما الحركات فهي متشابهة .



p,g ud] vHs hgskm hgYd.d]dm hgYd.d]dm d,l vl.